أفانين
الشعر العكنسي في ليبيا .. من بوحليقة اليهودي إلى محمد الأحمر المصراتي 
الأدب

الشعر العكنسي في ليبيا .. من بوحليقة اليهودي إلى محمد الأحمر المصراتي 

استخدم الشعراء العرب منذ القدم القوافي الصعبة للتمايز، واستعراض القدرات، ويبدو ذلك جليًا في قصيدة المتنبي 

عِشِ ابْقَ اسْمُ سُدْ جُدْ قُدْ مُرِ انْهَ اثرُ فُهْ تُسَلْ ** غِظِ ارْمِ صِبِ احْمِ اغْزُ اسْبِ رُعْ زَعْ دِ لِ اثنِ نَلْ

أو في قصيدة الأصمعي، الذي استخدم فيها قافية الواو الساكنة المفتوح ما قبلها:

 قوم بنجد عهدتهم سقاهم الله من النو .. نو تلألأ في دجى ليلة مظلمة كالحة لو

وفي الشعر الشعبي الليبي ظهرت قوافي غريبة، مارس أصحابها أعلى درجات الإبداع، بغية تعجيز أقرانهم من الشعراء، حيث ظهر الشعر (الكشخي)، والذي لا يوجد فيه حروف تطبق فيها الشفاه كحرف الميم، واللام، والباء، وظهر أيضًا الشعر المعونجي أو العكنسي، وهو لون من ألوان الشعر الشعبي الليبي الذي يتميز بصعوبة قوافيه، وغالبًا ما تنتهي القافية بياء ساكنة، وتتضمن نونًا ساكنة، ويقول شاعر: 

لك سالف منسوع طرنزي

 ماح لونزي

 عسكر شاش لبوق برنزي

وكلمة طرنزي هي تحريف لكلمة طرّز، والشاعر هنا يغازل حبيبته، فيقول لها: لك شعر مضفور ومطرز، مال بلونه، كأنه جنود تفاعلوا مع بوق صنع من البرونز.
في العام 2015 كتبت ومضة في هذا النمط من الشعر، ونشرتها على صفحتي بموقع فيسبوك، تقول:

حصلنا حصلة وسط عفنجي 

بين إخونجي 

وجبلرينجي 

عامين ونمشوا بالبنجي 

حصلنا حصلة ريم حمادة 

وين تقادى 

وفك قيادة 

جوه تلافوه الصيادة

في الكانون قعد أفادة   

وعالطاجنجي    

قسموه برنجي والكنجي   

الآفاد هي الكبد والرئة والقلب، الطاجنجي هي تحريف للطاجين، والبرنجي هي الأول باللغة التركية، والكنجي هي الثاني باللغة التركية، المقصود أننا وقعنا فريسة للأولين والجدد، أي في عهد سبتمبر وفي عهد فبراير أيضًا، وهناك لعبة ورق تسمى (البرنجي)، أما جبريلنجي فهي تحريف لكلمة جبريل، والمقصود هنا محمود جبريل رحمه الله، رئيس تحالف القوى الوطنية. 

ما دعاني للكتابة عن هذا النوع من الشعر هو ظهور أغنية جديدة للفنان صلاح الورفلي (خلك يا عيني ع العازة)، وهي قصيدة قديمة لشاعر من مدينة درنة اسمه رزق الله الشلوي، كتبها ردًا على طلب زوجته مائة دينار، ليقول لها: أنا لست من عائلة الخاشقجي الثرية.

خلك يا عيني ع العازة 

مانك من عيت الخاجقجي 

لانك لركيب قفازة

 شور أوطان نوا صافقجي

دار اظلم ظالم حجازه 

ع المعطان اضفف حالقجي

وكما أسلفت يستعرض الشعراء قدراتهم عندما تشتد المنافسة، فيبحرون في أعالي بحار الشعر، تاركين غيرهم على الضفاف. ولمعرفة أصول هذا النوع، وجدت أن هناك آراء مختلفة، كل ينسب الريادة فيه لشاعر بعينه، ولكن ربما أقوى الروايات، تلك التي تتحدث عن الشاعر الليبي اليهودي “كليمنتي”، الذي اشتهر باسم “بوحليقة” بسبب حلق كان يضعه في أذنه، وكان يسكن بادية المرج.

امتهن “بوحليقة” التجارة المتجولة (الدلالة)، وكان شاعرًا شعبيًا بارزًا، تزوج من فتاة يهودية اسمها “سهاري حرنون”، وعاشا معًا في بيت وسط قبيلة مسلمة، حيث كان سائدًا في ليبيا تعايش كافة المكونات، خصوصًا اليهودية والمسلمة في محبة واحترام متبادل. 

ويذكر أن شيخ القبيلة المسلم هو من قام بختان ابنه “موسى” وقد نشأ الابن بين أطفال القبيلة، وصار شاعرًا يضاهي والده، ومن قصائده المشهورة:

بيضاء لبست ثوب زرنقي 

جت ترشنقي 

حاكم ويراطن بغلنقي 

بيضاء لبست ثوب أزرق

وجت ترشق

قدمها دوبه الأرض يطق 

تخفّ اللي عقله واثق

يتم سلنقي

مجروح وجرحه بعشنقي

 بيضاء لبست م الرومية

خدّك ضيّة

بارق يلعب فـوق مويّة

وإلا باشا يوم لويّة

زق طلنقي

ما تـمشوا بالمال عـفـنقي

 بيضاء لبست ما المالاس

وحلي اكداس

كما باشا عامد مجلاس

دوى قال لهم ها يا ناس

الذَي وثنقي 

والخاطي منكم للشنقي

 بيضاء لبست ثوب حرير

لها تصوير 

كما لير مصادف بوطير 

حزام اللي في الجو تغير

هي ما تعرنقي 

والخيل مع الخيل شرنقي

بيضاء لبست ثوب نقاوة

حاكم تاوه

حبك في المكنون تقاوَى

خدك تحت غطاء يضّاوى

برق جلنقي

 سيلا خـّلا الغوط دلنقي 

يذكر مصدر أن أول من ابتدع الشعر العكنسي هو الشاعر عبد السلام أبو هديمة العريبي، ومن قصائده:

إن جاء يرتشق بالوشام العورجي

 مملوك قرجي

شارب قزازات عند الخمرجي

إن جاء يرتشق بالوشام المردع

شكله مبدع

مملوك ف أول تجاريد قدع

حصانه إن جاء بين خيله يصدع

فارس عكنجي

وأخذ على لعب سوق الطرنجي

ولست أملك أدوات التحقق من صاحب الريادة الحقيقي، فهذا المقال لا يخوض في المسائل التاريخية بقدر ما يسلط الضوء على لون شعري مميز اشتهرت به ليبيا، وإن كنت أرجح ريادة بوحليقة لهذا اللون.

ومن أشهر الشعراء الليبيين حديثًا الشاعر عبد الجليل سيف النصر (1949-2011) وهو من قبيلة أولاد سليمان، وقد اشتهر بمعارضته لنظام القذافي، ومن أشهر قصائده في الشعر العكنسي قصيدته “كول عقول” الذي يقول فيها:

كول عقول اللي نعونسي 

ع المترنسي

والمتننسي للدرسنسي 

صب عليه أوساخ الكنسي

كول ادماغ اللي نعسنجي

 والغفلنجي

والمطمنجي

واللي ما شاطاه العونجي

كلا اللي ري قطل حلانجي

بو لسلنسي

 ماتتسنسي

ولا يغبن عنا العرنسي

ديما بعطوره مترنجي

 والملبنسي ذوق اكونسي

 والمنطوق عسل تلحنسي

أبلغني أحد الأصدقاء عند انتشار القصيدة، أن القذافي قد تضايق كثيرًا منها، ودعا عددًا من الشعراء عن طريق أحد أعوانه للرد عليها، ولكن لا أحد استطاع الرد، كون سيف النصر قد استنفذ جل الكلمات، والصور الشعرية، التي يمكن استخدامها، ناهيك عن أن القصيدة كانت طويلة جدًا، وتدل عن شاعر فحل لا يمكن مجاراته. 

غنى الفنان الليبي الراحل أحمد حلمي، الأغنية الشهيرة “ثوب برنسي” في تسعينيات القرن الماضي، وهي من لون الشعر العكنسي، التي تشير بعض المصادر أنها للشاعر محمد الأحمر (1928-1989)، المعروف بـ”بوغماز” وقد ولد بمدينة مصراتة، ونشأ في مدينة بنغازي، ورغم صعوبة فهم كلمات الأغنية إلا أنها حققت نجاجًا كبيرًا حينها، وتقول الكلمات الأصلية للأغنية:

رﻳﺪﻱ ﻟﺒﺴﺖ ﺛﻮﺏ ﺑﺮﻧﺴﻲ 

ﺯﻭﻝ ﻛﻮﻧﺴﻲ

ﺟﺖ ﺍﺗﺨﻨﺴﻲ

ﺳﺎﺑﻖ ﺑﻴﻦ ﺻﻔﻮﻑ ﻋﺮﻧﺴﻲ

ﺭﻳﺪﻱ ﻟﺒﺴﺖ ﺛﻮﺏ ﺣﻤﺮ

ﻭﺷﺎﻝ ﺍﻳﻜﺮ

ﻭﺩﻭﺭ ﺃﻣﺸﻂ ﻭﻣﻌًﻄﺮ

ﻭﺧﺰﺭة ﻳﺎﻟﻄﻴﻒ ﺍﺗضر  

ﺑﻐﻴﺮ ﺧﺼﻨﺼﻲ 

ﺭﺷﺎشة ﻓﻲ ﻳﺪ حرنسي 

ﺭﻳﺪﻱ ﻟﺒﺴﺖ ﺛﻮﺏ ﺧﻔﻴﻒ

ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﺼﻴﻒ

ﻳﺮفرف ﻣﻊ ﺍﻟﺮﻳﺢ ﺍﺗﺮﻓﺮﻳﻒ

ﺃﻥ ﺟﺖ انجلها ﺗﻮﺻﻴف

 ﺑﻘﻮﻝ ﻋﻜﻨﺴﻲ 

ﺑﺎﺑﻮﺭ على ﺳﻮﻳﺲ ﺃﻣﺮﻧﺴﻲ

وفي العام 2017 أصدر الفنانان التركي فتيح بوقلار، والليبي أحمد بن علي، فيديو كليب لأغنية “ثوب برنسي”، مع تغيير طفيف في بعض الشطرات، وتوزيع عصري، وحققت الأغنية مشاهدات عالية على يوتيوب. 

تنويه

هذه ليست ورقة نقدية، أو تاريخية، وقد تكون المعلومات الواردة فيها غير دقيقة، كونها استندت إلى آراء مختلفة، هي مجرد إشارة إلى لون مهم من ألوان الشعر الشعبي الليبي. 

ذات صلة

 إبراهيم الكوني: حكاء الصحراء الذي خطّ أسطورة الوجود برمالها

suwaih

بغداد في المخيلة العربية الإسلامية 

suwaih

رواية فرنسية تروي حكاية جزائرية

suwaih

علياء الداية: جمالية الإصبع السادس في إبداع قاصات سوريات 

suwaih

نَعشٌ من ثلج

suwaih

القصة القصيرة .. تعريفها أنواعها وعناصرها

suwaih

اترك تعليقًا

* باستخدام هذا النموذج فإنك توافق على تخزين بياناتك ومعالجتها بواسطة هذا الموقع.

أفانين مساحة ثقافية تُعنى بالفنّ والفكر والإبداع بكل أشكاله.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، قبول اقرأ المزيد

سياسة الخصوصية