بينما يمثل رحيل القامات الفكرية خسارة إنسانية لا تُعوض، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً في تونس هو: ماذا بعد الرحيل؟ هل تتحول تلك الكنوز المعرفية من أرشيفات ووثائق ومكتبات شخصية إلى لبنة في صرح الذاكرة الوطنية، أم تذروها رياح الإهمال والتشتت بين الورثة؟
في كل مرة يرحل فيها مثقف تونسي أو أستاذ جامعي أو روائي أو مؤرخ أو شاعر أو رسام أو سياسي أو باحث أو موسيقى أو سينمائي أو رياضي أو مخترع أو معلم أو طبيب، وكان له الإسهام اللافت في مجاله، وكان له تأثير مهم في المجتمع وتحول مع مراكمة التجربة والسنوات إلى شاهد على العصر يروي للأجيال ما رأى وما حايث وما شاهد وما قال في تلك اللحظة التاريخية إلا وتتراءى الأسئلة نفسها وهي: ما مصير أرشيف الراحل أو مكتبته أو وثائقه الشخصية أو مخطوطاته أو صوره الفوتوغرافية أو تسجيلاته الصوتية أو المرئية؟ أين تستقر في نهاية الأمر؟ هل هي موروث عائلة الراحل أم هي موروث المجتمع وجزء لا يتجزأ من ذاكرة الشعب؟ وهل تحمي القوانين التونسية الأرشيفات المهمة بعد رحيل أصحابها حتى وإن بقيت لدى الورثة؟
أحيانًا تجد الإجابة عن هذه الأسئلة عندما تعلم أن بعض الراحلين أوصوا بترحيل وثائقهم الشخصية وأرشيفهم إلى مؤسسات عمومية رسمية من صميم مهامها حفظ الذاكرة وصيانتها وحمايتها والتصرف فيها مثل دار الكتب الوطنية أو الأرشيف الوطني التونسي أو المركز الوطني للتوثيق أو كذلك الجهات المتحفية أو مؤسسات بحث أو مكتبات الجامعات التي درس فيها أصحاب الوصايا أو حتى مكتبات عمومية جهوية ومحلية، فضلاً عن إمكانية قيام أهل الراحل ببعث مؤسسة تحمل اسم الفقيد وتكون مهمتها مواصلة البحث في المجال الذي أفنى فيه الراحل عمره وبذلك تستمر ذكراه وذاكرته علمية كانت أو ثقافية أو فنية.
وأحيانًا أخرى لا تجد جوابًا شافيًا حول مصير أرشيفات بعض المثقفين الراحلين، إذ تتحول إلى تركة يتقاسمها الورثة فتتشتتت فيما بينهم أو تتعرض إلى الإهمال والتلف أو يحيطها الغموض فلا نعرف لها مصيرًا، فتفقد بذلك الذاكرة الجماعية جزءًا وملمحًا من ملامحها ويفقد التاريخ جزءًا من حقيقته، ولنا في تونس أمثلة عديدة على ذلك.
مؤسسات رسمية تهتم بالأرشيف في تونس
الأرشيف الوطني التونسي
المؤسسة التونسية الأولى المهتمة بأرشيف البلاد الرسمي وغيره والذاكرة الجماعية والمخطوطات ما قبل ظهور الطباعة والكتب النادرة وأرصدة الصور والتسجيلات السمعية البصرية هي الأرشيف الوطني التونسي الذي تم إحداثه سنة 1874 زمن حكم البايات الحسينيين، وكان اسمه “خزنة حفظ المكاتيب” ويتبع رأسًا الوزارة الكبرى -أي رئاسة الحكومة حاليًا- ومع حلول الاستعمار الفرنسي في سنة 1883 أصبح يحمل تسمية “الأرشيف العام للحكومة” ومع استقلال تونس سنة 1956 وإعادة هيكلة إدارات الدولة أصبح يحمل تسميته الحالية، أما القوانين التي تنظمه فيعتبر القانون عدد 95 لسنة 1988 المؤرخ في 2 أوت/أغسطس 1988 هو الأهم.
في كل مرة يرحل فيها مثقف تونسي كان له الإسهام اللافت في مجاله، وكان له تأثير مهم في المجتمع إلا وتتراءى الأسئلة نفسها وهي، ما مصير أرشيف الراحل؟ وأين يستقر في نهاية الأمر؟
وتستقبل هذه المؤسسة الوطنية المهمة سنويًا عشرات الأرشيفات الخاصة من قبل أصحابها أو ورثتهم أو من قبل مؤسسات عمومية وغير عمومية أو جمعيات، وهي توفر فضاءات خزن وصيانة وعرض متطورة كما قامت برقمنة جزء كبير من رصيدها وإتاحته للباحثين عن بعد، كما تجمعها علاقات شراكة بمؤسسات شبيهة بها في الوطن العربي والعالم.
ومؤسسة الأرشيف الوطني ما انفكت تدعو في كل مرة عبر إعلانات خاصة أصحاب الأرشيفات من أجل حثهم على تقديمها لمصالح المؤسسة حفظًا لها.
دار الكتب الوطنية
ومن المؤسسات التونسية العمومية المؤتمنة على الذاكرة الوطنية أيضًا والتي يقصدها المثقفون وهم أحياء أو ورثة الذين رحلوا لدفع الأرشيفات الخاصة والمخطوطات المهمة والمكتبات الشخصية نجد دار الكتب الوطنية التي تم إنشاؤها سنة 1885 والتي تضم اليوم ما يفوق المليوني كتاب و43 ألف مخطوط، يعود أقدمها إلى القرن الرابع هجري وهو مخطوط تفسير القرآن ليحى بن سلام، و16 ألف دورية منها ما يعود إلى بداية القرن السادس عشر ميلادي وذلك بلغات عديدة تصل إلى 50 لغة.
تستقبل هذه المؤسسة الهبات من المكتبات والأرشيفات والمخطوطات والوثائق النادرة من أصحابها الأحياء منهم أو ورثتهم إن كانوا من الراحلين فأصبح لها رصيد كبير يجعل منها بنكًا خامًا من الوثائق التي لها صلة بالذاكرة الجماعية وتهم أحداثًا ووقائعًا في علاقة بتاريخ تونس المعاصر مما يغني ويثري مواضيع الباحثين ويكثف الموضوعية العلمية إزاء الكتابة للتاريخ.
ومن الأرصدة الواردة في السنوات الثلاث الأخيرة على قسم المخطوطات الحديثة والمعاصرة بالمكتبة الوطنية التونسية، عندما كانت الأستاذة الجامعية والحقوقية رجاء بن سلامة على رأس هذه المؤسسة الرسمية العمومية ومبادرتها بدعوة أصحاب الأرشيفات بالتقدم بها من أجل حفظها نجد على سبيل الذكر:
الرصيد الوثائقي الضخم الخاص بالكاتب والشاعر التونسي الشهير “أحمد خير الدين” (1906 ـ 1967)، الذي تقدمت به ابنته قولبياز خير الدين أرملة بالقاضي، بحضور نجلها الفنان والمخرج السينمائي نجيب بالقاضي، وقد واصلت الحفاظ عليه طيلة قرابة النصف قرن فحرصت على أن يكون كما تركه في ملفات معنونة.

والشاعر التونسي أحمد خير الدين هو شاعر غنائي ومؤلف مسرحي تخرج من جامع الزيتونة سنة 1926 وعمل مدرسًا إلى حدود سنة 1941، والتحق بالإذاعة التونسية منذ إنشائها سنة 1938 وهو من كتب المسرحية الشهيرة “الحاج كلوف” وهو أيضًا من قام بتلحين النشيد الوطني التونسي، ويمكن اعتبار أن هذا الرصيد مهمًا للدور الذي لعبه أحمد خير الدين في الحياة الثقافية التونسية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
باحث في تاريخ تونس المعاصر لـ”الترا تونس”: أرشيفات الأشخاص سواء الذين كانوا في مواقع قرار أو الشاهدين على لحظات تاريخية مهمة لا يمكن أن تتحول إلى أرشيف عمومي ما دام أصحابها لم يتقدموا بها طوعًا إلى مؤسسة مختصة
كما نجد رصيد الهاشمي السبعي (1904 ـ 1984) وهو خريج المدرسة الصادقية والمدرسة العليا للحقوق سنة 1954، اشتغل وكيلاً إداريًا لوزير الفلاحة ثم عين على رأس إدارة المعهد الوطني للآثار، خلفًا للعلامة حسن حسني عبد الوهاب من سنة 1966 إلى 1973، وكان السبعي صديقًا للزعيم الحبيب بورقيبة، وكتب في الصحافة من سنة 1942 إلى حين وفاته في مسائل تهم الدين والتاريخ والسياسة.
وقامت عائلته ممثلة في ابنته دلندة السبعي دباب وحفيداته الثلاث خلال شهر فيفري/شباط 2023 بإهداء رصيد مهم تمثل في أربع مخطوطات غير منشورة منها ما هو بخط يده ومنها ما هو مرقون.

ومع نهاية سنة 2023 تسلمت المكتبة الوطنية أيضًا رصيدًا قدم من فرنسا من ضاحية “آكس أنبروفونس” يهم الأستاذ الجامعي الفرنسي “جون كلود قارسان” (1934 ـ 2021) الذي أوصى بأن تكون مكتبته الضخمة من بعده لتونس وفاء منه لمرحلة من حياته العلمية والجامعية التي قضاها في تونس.
ودرّس الجامعي الفرنسي الراحل بالجامعة التونسية من سنة 1959 إلى 1961 وقد أشرف على عدة بحوث أنجزها تونسيون منها رسالة دكتوراه الأستاذ راضي دغفوس حول تاريخ اليمن وماجستير المرحومة منيرة الرمادي شابوتو حول الجيش المملوكي.
باحث في تاريخ تونس المعاصر لـ”الترا تونس”: أرشيف المصلح خير الدين باشا من الأرشيفات المهمة التي ضاعت وتشتتت فخسرت تونس جراء ذلك جزءًا كبيرًا من حقيقة التاريخ
وخلال سنة 2022 تلقت المكتبة الوطنية التونسية هدية تتمثل في أرشيف ومخطوطات من ورثة الشيخ محمد الصادق البليش القيرواني (1899 ـ 1964) وهو من رجال الحديث ومن أهم قضاة المذهب الحنفي، له مؤلفات عدة في الفقه والحديث والبلاغة إلى جانب خطب منبرية كثيرة.
ومن هذه المخطوطات المهداة نذكر “الجواهر الحسان في تفسير القرآن” لمؤلفه عبد الرحمان بن محمد الثعالبي، ونسخه حمودة بن محمد السلمي عطا الله سنة 1728 و”اختصار صحيح مسلم” في نسخ سنة 1741.

كما أهدت الكاتبة والروائية التونسية مسعودة بوبكر عام 2021 إلى رصيد المكتبة الوطنية نسخًا بخط يدها من رواياتها الأربعة المنشورة طيلة مسيرتها الإبداعية وهي ليلة الغياب (1992) ووداعًا حامورابي وجمان وعنبر (2004) وطرشقانة (1998).
ومن الأرشيفات المهمة الواردة على المكتبة الوطنية يوم 14 جوان/يونيو 2012 الهبة التي أوصى بها قبل وفاته الأب “جون فونتان” حافظ مكتبة معهد الآداب العربية للآباء البيض بتونس بين سنوات 1968 و1977 ومدير مجلة المعهد “إبلا” بين سنوات 1977 و1999 قبل والمتمثلة في جذاذاته حول الأدب التونسي، ومن أشهر كتاباته “عشرون عامًا من الأدب التونسي” (من 1956 إلى 1976) و”ملامح من الأدب التونسي” (من 1977 إلى 1983).
أرشيف آخر مهم ورد على المكتبة الوطنية يخص مكتبة الناشر التونسي “الحبيب اللمسي” (1930 ـ 2017)، وهو صاحب دار نشر الغرب الإسلامي ببيروت.
وتضم الهبة 100 ألف عنوان منها 65 ألف كتاب وهو رصيد قدر ثمنه بـ3 ملايين دينار تونسي لتضمنه مخطوطات يفوق عمرها المائة سنة.
والراحل كان صديقًا لجل الأدباء والباحثين التونسيين نذكر منهم محمد العروسي المطوي والجيلاني بالحاج يحيى ومحمد اليعلاوي ومحمد مزالي والبشير بن سلامة.

ما قيمتة الأرشيف الشخصي وما مصيره؟
بشأن هذا الموضوع تحدث الباحث في تاريخ تونس المعاصر الأستاذ محمد ضيف الله لـ”الترا تونس”، مبينًا أن أرشيفات الأشخاص سواء الذين كانوا في مواقع قرار أو فاعلين في مجالهم وكانوا شاهدين على لحظات تاريخية مهمة من تاريخ تونس لا يمكن أن تتحول إلى أرشيف عمومي ما دام أصحابها لم يتقدموا بها طوعًا إلى مؤسسة مختصة فهي تركة يتحكم فيها ورثة الشخصية.
وأشار محدثنا إلى أن “الأرشيف يستمد قيمته العلمية من الدور الذي لعبته الشخصية في زمانها وكتابتها وعلاقاتها ومن محتواه ومدى وضوحه وتبويبه ومكان تخزينه والعناية به. فأحيانًا وثيقة واحدة لدى شخص واحد قد تغير حقيقة حدث بعينه فتغني الباحث أو المطلع عن التنقيب في مئات العلب في مؤسسات رسمية”.
وذكر الأستاذ محمد ضيف الله في تصريحه لـ”الترا تونس” أن مصير الأرشيف الشخصي أو المخطوطات أو المكتبة مرتبط بوعي والتزام الشخصية أو الورثة من بعده بأن ما جمعه طيلة حياته قد يتحول إلى ذاكرة قد تفيد كتابة التاريخ، وهنا أشار ضيف الله إلى أن جزءًا كبيرًا من أرشيفات تهم ذاكرة التونسيين بقيت مشتتة لدى عائلات وورثة أحيانًا لا يقدرون ما يملكون وأيضًا لدى جمعيات مدنية.
باحث وإعلامي مختص في التاريخ لـ”الترا تونس”: أرشيفات بعض الشخصيات البارزة في مجالات السياسة والثقافة والدين، أغلبها لا تزال لدى ورثتهم وجزء كبير منها تشتت بين الورثة أنفسهم، فمنه ما ضاع وما تلف وما بيع لجامعي الوثائق التاريخية
أما عن الوصول إلى تلك الأرشيفات الشخصية التي لا تزال بعيدة عن المؤسسات الرسمية المختصة في المجال، فقد أكد أستاذ تاريخ تونس المعاصر أن الأمر تشوبه صعوبات كثيرة خاصة في ظل الطوق الذي يضربه الورثة على الأرشيف في اعتقاد منهم أنهم بصدد حمايته.
ومن الأرشيفات التي يرى ضيف الله أنها مهمة وضاعت وتشتتت فخسرت تونس جراء ذلك جزءًا كبيرًا من حقيقة التاريخ، “أرشيف المصلح خير الدين باشا” حيث تركه لابنه “الطاهر خير الدين” الذي كان وزيرًا للعدلية من سنة 1921 إلى 1935، ومرّ هذا الأخير بظروف نفسية سيئة جعلت من مصير أرشيف والده الشتات والضياع، مضيفًا أن وثيقة مهمة ظهرت من هذا الأرشيف تتعلق بأوقاف المدرسة الصادقية وحال ظهورها من طرف الوزير الأكبر السابق محمد صالح مزالي أنهت جدلاً كبيرًا بين الباحثين بخصوص أوقاف المدرسة العريقة.
أما الأرشيفات المهمة التي تقدم بها الورثة لمؤسسة الأرشيف الوطني التونسي فيرى الأستاذ محمد ضيف الله أنها كثيرة ومنها ذكر أرشيف النوري البورصالي، وأرشيف المؤرخ رؤوف حمزة وأرشيف الاتحاد العام لطلبة تونس وغيرها.
ومن جهته يرى الأستاذ عادل القادري الباحث والإعلامي المختص في مجالات تاريخ تونس المعاصر أن قانون سنة 1967 المتعلق بالأرشيفات المشتتة لم يشمل الأشخاص وورثتهم، بل شمل الزوايا والمساجد وبعض المؤسسات، فأجبرها بقوة القانون على ترحيل أرشيفاتها ووثائقها إلى الأرشيف الوطني واعتبارها أرشيفًا عموميًا.
وأضاف القادري في حديثه مع “الترا تونس” أن أرشيفات ووثائق ومكتبات بعض الشخصيات البارزة التي كانت فاعلة في مجالات السياسة والثقافة والدين، أغلبها لا تزال لدى ورثتهم وجزء كبير منها تشتت بين الورثة أنفسهم، فمنه ما ضاع وما تلف وما بيع لجامعي الوثائق التاريخية.
وبين محدثنا أن هناك من الباحثين من تربطهم علاقات شخصية ببعض الأسماء السياسية التي كانت فاعلة في فترات من تاريخ تونس المعاصر وسمحوا لهم بالولوج إلى أرشيفاتهم ووثائقهم الشخصية فتأتي أوجه الحقيقة في كتاب، وهو ما حصل مع الزعيم الوطني أحمد بن صالح حيث سمح للباحث الأستاذ سالم المنصوري بإصدار كتاب انطلاقًا من الأرشيف الثري لأحمد بن صالح فاطلع المتلقي على وثائق لأول مرة.
ويرى الأستاذ عادل القادري الباحث والإعلامي المختص في مجالات تاريخ تونس المعاصر، أن قيمة الأرشيف الخاص تكمن في التفاصيل الذاتية التي يحتويها ولا يجدها الباحث في الروايات والأرشيفات الرسمية، كما توضح محتويات الأرشيفات الخاصة طبيعة العلاقات التي كانت تجمع الشخصية بمحيطها فعندما نبحث مثلاً على الإجابة عن سؤال: “لماذا يكره بورقيبة محمد عطية -مدير الصادقية ومدير معهد خزندار عند بعثه- إلى حد الزج به في السجن؟ تشير الأرشيفات وتقاطع الروايات إلى أن خصومة اندلعت بينهما مذ كانا يدرسان معًا من أجل منحة دراسة كان يقدمها أحد الوجهاء والأثرياء وهو الطيب رضوان، وتواصلت خصومتهما أثناء الدراسة في فرنسا.
باحث وإعلامي مختص في التاريخ لـ”الترا تونس”: الأرشيفات الخاصة تكون حاسمة أو موضحة لحدث خلق جدلاً سياسيًا متواصلاً، مثل حادثة “صباط الظلام” والدولة مطالبة بالتحرك أكثر لإنقاذ الأرشيفات والمخطوطات
وبين الأستاذ عادل القادري أن الأرشيفات الخاصة تكون حاسمة أو موضحة لحدث خلق جدلاً سياسيًا متواصلاً، مثل حادثة “صباط الظلام” التي اتُهم فيها البورقيبيون بقتل اليوسفيين، مشيرًا إلى أن عائلة حسن العيادي المتهم الأول بإشرافه على عملية “صباط الظلام” -الذي أعدمه بورقيبة سنة 1963 ضمن الموجة الثانية من الإعدامات الخاصة بمحاولة انقلاب 1962- قدمت في منبر عبد الجليل التميمي كراسًا كتبه الراحل العيادي قبل وفاته يسرد فيه وجهًا من حقيقة عملية “صباط الظلام”.
ولفت الأستاذ عادل القادري إلى أن الدولة ممثلة في المؤسسات الرسمية المختصة في الأرشيف على غرار الأرشيف الوطني التونسي ودار الكتب الوطنية والمعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر ومركز التوثيق الوطني والمعهد الوطني للتراث، كل في مجاله، مطالبة بالتحرك أكثر فأكثر نحو إنقاذ الأرشيفات والمخطوطات والمكتبات الخاصة بدعوة أصحابها للتقدم بها حتى تصبح أرشيفًا عموميًا، فضلاً عن تغيير منظومة القوانين الخاصة بالأرشيفات أيضًا والذهاب إلى تطويرها.
وتعد الأرشيفات والوثائق والمخطوطات والمكتبات الخاصة لشخصيات تونسية متنوعة المشارب ومجالات التحرك جزءًا من الذاكرة الجماعية وشاهدًا على العصر، إذ أنها تحمل في طياتها بذرات الحقيقة التي طالما بحث عنها الباحث المختص من أجل تقديمها للمتلقي فالتاريخ هو الدرس المثالي الذي كلما استوعبناه وفهمناه وكنا موضوعيين إزاءه كتابةً وتفسيرًا وبسطًا للحقائق، فإنه يتسنى لنا أن نتلمس طريقًا سالكة في المستقبل.
